الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

28

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والاستفهام ب كَيْفَ : إنكاري إنكارا لحالة كيان العهد بين المشركين وأهل الإسلام ، أي دوام العهد في المستقبل مع الذين عاهدوهم يوم الحديبية وما بعده ففعل يَكُونُ مستعمل في معنى الدوام مثل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [ النساء : 136 ] كما دلّ عليه قوله بعده فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ . وليس ذلك إنكارا على وقوع العهد ، فإن العهد قد انعقد بإذن من اللّه ، وسمّاه اللّه فتحا في قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [ الفتح : 1 ] وسمّي رضى المؤمنين به يومئذ سكينة في قوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ [ الفتح : 4 ] . والمعنى : أنّ الشأن أن لا يكون لكم عهد مع أهل الشرك ، للبون العظيم بين دين التوحيد ودين الشرك ، فكيف يمكن اتّفاق أهليهما ، أي فما كان العهد المنعقد معهم إلّا أمرا موقّتا بمصلحة . ففي وصفهم بالمشركين إيماء إلى علّة الإنكار على دوام العهد معهم . وهذا يؤيّد ما فسّرنا به وجه إضافة البراءة إلى اللّه ورسوله ، وإسناد العهد إلى ضمير المسلمين ، في قوله تعالى : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ [ التوبة : 1 ] . ومعنى عِنْدَ الاستقرار المجازي ، بمعنى الدوام أي إنّما هو عهد موقّت ، وقد كانت قريش نكثوا عهدهم الذي عاهدوه يوم الحديبية ، إذ أعانوا بني بكر بالسلاح والرجال على خزاعة ، وكانت خزاعة داخلة في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وكان ذلك سبب التجهيز لغزوة فتح مكة . واستثناء إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ ، من معنى النفي الذي استعمل فيه الاستفهام ب كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ، أي لا يكون عهد المشركين إلا المشركين الذين عاهدتم عند المسجد الحرام . والذين عاهدوهم عند المسجد الحرام : هم بنو ضمرة ، وبنو جذيمة بن الدّيل ، من كنانة ؛ وبنو بكر من كنانة . فالموصول هنا للعهد ، وهم أخصّ من الذين مضى فيهم قوله : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً [ التوبة : 4 ] . والمقصود من تخصيصهم بالذكر : التنويه بخصلة وفائهم بما عاهدوا عليه ويتعيّن أن يكون هؤلاء عاهدوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في عمرة القضاء عند المسجد الحرام ، ودخلوا في الصلح الذي عقده مع قريش بخصوصهم ، زيادة على دخولهم في الصلح الأعمّ ، ولم ينقضوا